الشيخ الطبرسي
406
تفسير جوامع الجامع
بمعنىً ، والتَّلْقيبُ المَنْهي عنْهُ هو ما يُدخِلُ علَى المدعوِّ بِهِ كَراهَةً لكونِهِ ذمّاً لَهُ وشَيْناً ، فأمَّا ما يحبُّهُ وما يزيِّنُهُ ويُنَوِّهُ بِهِ فَلاَ بأْسَ بِهِ . وفي الحديثِ : " من حقِّ المؤْمنِ على أخيهِ أَن يُسمِّيَهُ بأَحَبِّ أسمائِهِ إليهِ " ( 1 ) . وعن ابنِ عبَّاس : أَنَّ أُم سَلَمَة رَبَطَتْ حَقَويْها بسبيبة - وهي ثوبٌ أَبْيَضُ - وسَدَلَتْ طَرَفَها خَلْفَها فكانَتْ تَجُرُّهُ ، فقَالَتْ عائشةُ لحَفْصَةَ : انْظُري ما تَجُرُّ خَلْفَها كأنَّه لِسَانُ كَلْب ، فهذه كانَتْ سُخْريّتَها ( 2 ) . وقيلَ : إنَّها عيَّرَتْها بالْقِصَرِ وأَشَارَتْ بيدِهَا أنَّها قَصيرة ( 3 ) . وقيلَ : إنَّ صفيَّةَ بنتَ حُيَيِّ أَتَتْ رسولَ اللهِ تَبكي وقَالَتْ : إنَّ عائشةَ تُعيِّرني وتقُولُ : يا يهوديّةُ بنتُ يهودِيَّيْنِ ، فقَالَ لَهَا رسولُ اللهِ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " هلاَّ قُلْتِ إنَّ أبي هَارونُ ، وإنَّ عمِّي موسى ، وإنَّ زَوجي محمدٌ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) " فَنَزَلَت ( 4 ) . ( بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيْمَانِ ) الاسمُ هنا بمعنَى الذِّكْرِ منْ قَولِهِم : طارَ اسمُهُ في النَّاسِ بالكَرَمِ أو باللُّؤْمِ ، أي : صِيتُهُ وَذِكْرُهُ ، وحقيقتُهُ : ما سَمَا من ذِكْرِهِ وارتَفَعَ بين النَّاسِ ، كأنَّهُ قَالَ : بِئْسَ الاسْمُ المُرْتَفعُ للمؤمنينَ بسَبَبِ ارتكابِ هذهِ الجرائرِ أن يُذْكَرُوا بالفُسُوقِ . وفي قَولِهِ : ( بَعْدَ الاِْيْمَنِ ) ثَلاثةُ أَوْجُه : أَحَدُها : استِقْباحُ الجَمْعِ بين الإِيمانِ والفْسقِ ، كَمَا يُقَالُ : بِئْسَ الشَأْنُ بَعْدَ الْكِبَرِ الصَّبْوَةُ . والثَّاني : أَن يكُونَ المعنى : بئْسَ الذِكْرُ أن يُذْكَرَ الرجُلُ بالفَسْقِ بَعْدَ إيمانِهِ ، وذلكَ أَنَّهُم كانُوا يقُولُونَ لِمَنْ أَسْلَمَ من اليَهُودِ : يا يهُوديّ يا فَاسِقُ ، فنُهُوا عَنْهُ ، وتكُونُ الجُمْلةُ
--> ( 1 ) رواه الزمخشري في الكشاف : ج 4 ص 369 . ( 2 ) تفسير ابن عباس : ص 436 . ( 3 ) أخرجه الطبري في تفسيره : ج 11 ص 395 عن حسّان بن المخارق . ( 4 ) قاله ابن عباس . راجع أسباب النزول للواحدي : ص 334 ح 812 وأورده القمي عليّ بن إبراهيم في تفسيره : ج 2 ص 329 .